أهم الأخبار

حزب المؤتمر في ذكرى تأسيسه الـ35.. من مظلة للجميع إلى عدو للجميع (تحليل)

2017-07-27 الساعة 02:12م (يمن سكاي - الموقع بوست)

تأتي الذكرى الـخامسة والثلاثين لتأسيس حزب المؤتمر الشعبي العام، والتي صادفت يوم 24 يوليو الجاري، وسط متغيرات كبيرة يشهدها الوطن والإقليم، ويبدو حزب المؤتمر الأكثر تأثرًا بهذه المتغيرات، بشكل يهدد مستقبله السياسي، إن لم يسارع إلى ترميم ذاته، ويتحول إلى حزب حقيقي، يقبل بالديمقراطية الحقيقة كوسيلة حضارية للتداول السلمي للسلطة، والتعايش مع مختلف التيارات والأحزاب، ويكفر عن ماضيه السياسي وتاريخه الأسود، المتمثل في انتهاكه لقيم الديمقراطية، وترسيخ الفساد والاستبداد، ثم انتهاكه الصارخ للنظام الجمهوري بتحالفه مع مليشيات إمامية وطائفية متخلفة، وانقلابه معها على الديمقراطية والنظام الجمهوري.

 

تأسس حزب المؤتمر في 24 يوليو 1982 كحزب أشبه بتحالف سياسي، ضم في صفوفه النخبة القبلية والعسكرية الحاكمة في شمال البلاد، بالإضافة إلى مختلف التيارات والأحزاب الإسلامية والقومية واليسارية التي كانت تنشط في شمال البلاد من خلال العمل السري، وكان الهدف من ذلك أن يكون الحزب كتحالف سياسي لمختلف القوى السياسية في الشمال في مواجهة تغول الحزب الاشتراكي في الجنوب، لكن الحزب الذي كان مظلة لجميع القوى والتيارات السياسية، أصبح اليوم عدوًا لها جميعًا، بسبب انقلابه على الثوابت الوطنية، وحتى حلفائه الحوثيين، فعلاقته معهم مفخخة، وسينتهي تحالفه معهم بانتهاء أسبابه.

 

 تحالف غريب

 

رغم مشاركة عدة شخصيات وقيادات سياسية وعلماء دين ومشائخ قبائل في تأسيس حزب المؤتمر، ليكون مظلة أو تحالف سياسي لمختلف القوى السياسية في الشمال، بغرض تحصينها أمام المحاولات المتكررة للحزب الاشتراكي في اختراقها، خاصة المجموعات اليسارية، ودفعها لإثارة الفوضى في الشمال، كما حصل فيما عرف بأحداث "المناطق" الوسطى، إلا أن المخلوع علي صالح احتكر فيما بعد صفة "المؤسس" الوحيد للحزب، وسخر الحزب لأهدافه وطموحاته الشخصية.

 

بدا الحزب وتشكيلته وطموحاته كتحالف غريب، ففي الوقت الذي كان فيه نظام علي صالح يمنع التعددية السياسية والحزبية، فقد قبل بأن تكون مختلف القوى السياسية ضمن تحالف حزب المؤتمر، وأشركها بشكل محدود في السلطة، وقبلت هذه القوى بهذا التحالف، لتمنح نفسها شرعية تلهي نظام علي صالح عن مراقبة نشاطها السياسي السري والتضييق عليه، بينما عمل علي صالح، وبشكل تدريجي، على تحويل الحزب إلى تحالف عسكري وقبلي بحت، بهدف ترسيخ سلطته السياسية.

 

لقد تأسس حزب المؤتمر كحزب سلطة، بدون منافسين أقوياء، كما أنه تأسس في حقبة زمنية اتسمت بتأسيس أحزاب شمولية واستبدادية حاكمة في بلدان عربية عدة، أي أن الحزب لم يتأسس في مناخ ديمقراطي تعددي، وهو ما أثر على السلوك السياسي للحزب في المراحل التالية.

 

كما أن الحزب تأسس في وقت كان فيه النظام الحاكم يحظر تشكيل الأحزاب السياسية، وأي أنشطة أخرى ذات طابع ديمقراطي، كحرية الرأي والتعبير، وكل ذلك يعني أن الحزب أظهر ملامح شموليته منذ الأيام الأولى لتأسيسه كحزب حاكم.

 

ويمكن وصف طبيعة التحالف الذي قام على أساسه الحزب، بأنه كان بمثابة مصادرة مبكرة للحياة السياسية، وهذه المصادرة استمرت لدرجة أن علي صالح اقترح على حكام عدن باندماج حزبي المؤتمر والاشتراكي في حزب واحد بالتزامن مع إعلان إعادة تحقيق الوحدة، إلا أن قادة الحزب الاشتراكي رفضوا هذا المقترح، وأصروا على أن ترتبط الوحدة بالتعددية السياسية والحزبية والديمقراطية، لاعتقادهم أن خبرتهم التنظيمية وقوة حزبهم ستمكنهم من الانفراد بحكم اليمن الموحد عن طريق الانتخابات.

 

حزب للفاسدين

 

كان من الشروط التي تم الاتفاق عليها بين الحزبين الحاكمين في شمال الوطن وجنوبه (المؤتمر والاشتراكي) من أجل إعادة تحقيق الوحدة الوطنية عام 1990، اعتماد النظام الديمقراطي التعددي، والسماح بتشكيل الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، وحرية الرأي والتعبير.

 

 

وبعد الإعلان عن تحقيق الوحدة مباشرة، انسحبت مختلف القوى السياسية من تحالف حزب المؤتمر، لتشكل كلٌ منها حزبها الخاص بها، وتحول حزب المؤتمر من تحالف سياسي إلى تحالف قبلي وعسكري، ومنح المخلوع صالح مشائخ القبائل مناصب عسكرية ومدنية، وحرص على أن يكون مرشحو الحزب في الانتخابات من مشائخ القبائل أيضاً.

 

كما أن الانتساب إلى المؤسسة العسكرية والأمنية كان يتم في أغلب الأحوال عن طريق تزكية مشائخ القبائل، أبرز مثال على ذلك، قوات "الحرس الجمهوري"، بل فبعض الوظائف المدنية كانت تمنح بوساطة مشائخ القبائل، وأسندت معظم المناصب القيادية في الحزب إلى مشائخ القبائل، وتم استحداث مشائخ جدد، وتزويدهم بالمرافقين والرواتب الباهظة لسد النقص في عدد المشائخ، وتم إنشاء ما أطلق عليها "مصلحة شؤون القبائل"، وخصص لها ميزانية ضخمة تفوق كثيراً الميزانية الخاصة بقطاعات خدمية هامة، كالتعليم والصحة والكهرباء وغيرها.

 

كما أن افتقاد حزب المؤتمر إلى أيديولوجيا محددة أو برنامج سياسي واقتصادي واضح، شكل فرصة للانتهازيين الباحثين عن مصالح شخصية من المستقلين، وبعض ممن كانوا منتسبين إلى أحزاب أخرى، للانتساب إلى حزب المؤتمر، وبعضهم منحوا مناصب قيادية في الحزب، وهكذا، تحول حزب المؤتمر إلى مظلة للفاسدين، وغول ضخم التهم إمكانيات ومقدرات الدولة المختلفة، واتكأ عليها في مختلف المحطات الانتخابية، بغرض تزوير إرادة الناخبين.

 

لم يفسد حزب المؤتمر، بقيادة علي صالح، الحياة السياسية والديمقراطية فقط، ولم يحطم أحلام اليمنيين في الرفاه والازدهار الاقتصادي والمعيشي فقط، بل فقد فعل ما هو أسوأ من ذلك، حيث نسف مفهوم الدولة من أساسه، وغابت فكرة الدولة بشكل عام، وحول نظام الحكم من نظام ديمقراطي تعددي إلى نظام قبائلي بحت، لدرجة أن الدولة ذاتها نافست القبيلة في أعرافها، مثل مفهوم "التهجير" بالبهائم، لتحل الأعراف القبلية محل مفهوم سيادة القانون، وأصبح حزب المؤتمر حزبًا قبليًا بامتياز، وعمل علي صالح على تعزيز دور القبيلة، وأحيا الثأرات القبلية، وزرع الفتن بين القبائل المختلفة، وعادت اليمن إلى مرحلة ما قبل الدولة.

 

 الانقسام الكبير

 

بدأت مرحلة انقسام وتفكك حزب المؤتمر بعد مجزرة جمعة الكرامة في ساحة التغيير بصنعاء، يوم 18 مارس 2011، والتي ارتكبها بلاطجة المخلوع علي صالح، فعلى إثر المجزرة، أعلن بعض قادة حزب المؤتمر، وبعض ممثليه في البرلمان، استقالتهم من الحزب، والبعض أعلنوا انضمامهم إلى الثورة الشعبية السلمية ضد صالح وعائلته.

 

وبعد توقيع المخلوع صالح على المبادرة الخليجية، وتعيين عبدربه هادي رئيساً مؤقتاً للبلاد خلال المرحلة الانتقالية، انقسم ما تبقى من حزب المؤتمر إلى جناحين، أحدهما يتبع الرئيس هادي، والأخر يتبع المخلوع علي صالح، وبدأت الصراعات بين جناحي الحزب تظهر إلى العلن بعد تكليف الرئيس هادي لخالد بحاح بتشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة باسندوة، في نوفمبر 2014، حيث رفض جناح المخلوع صالح المشاركة في الحكومة، وشارك فيها مؤتمريون من جناح هادي، ورد جناح المخلوع صالح بإقالة الرئيس هادي من منصبه كنائب لرئيس الحزب وأميناً عاماً له.

 

ومع أن اللائحة الداخلية لحزب المؤتمر تنص على أن رئيس الجمهورية هو رئيس الحزب، لكن المخلوع صالح تشبث برئاسة الحزب، ليتخذ منه واجهة للتأثير في الحياة السياسية، رغم أنه يفترض أن يكون الرئيس هادي رئيساً للحزب، بحسب لائحته الداخلية، بصرف النظر عن غرابتها، وكان هادي يشغل منصب النائب الأول لرئيس الحزب، وأمينه العام، الذي بيده صلاحيات إدارة الحزب مالياً وتنظيمياً منذ نوفمبر 2008.

 

وبعد عملية "عاصفة الحزم"، أحال جناح المخلوع صالح في الحزب قيادات الحزب التي غادرت إلى الرياض إلى الرقابة التنظيمية. ومن جانبها، عينت اللجنة العامة للحزب -من الرياض- الرئيس هادي رئيساً للحزب، في 22 أكتوبر 2015، وأصدرت قراراً بعزل المخلوع صالح ومن معه، وإحالتهم إلى المحاسبة التنظيمية في الحزب "على ما ارتكبوه من جرائم في حق الشعب اليمني، وما ألحقوه من أضرار جسيمة بحق الوطن، ووحدته الاجتماعية، وبحق التنظيم الذي منحهم ثقته"، بحسب ما ورد في بيان اللجنة العامة للحزب.

 

لم يبالِ المخلوع صالح بقرار اللجنة العامة للحزب القاضي بعزله، واستمر في ممارسة السياسة بصفته رئيساً للحزب، رغم أنه لم يبقِ معه في جناحه سوى حلفائه القبليين والعسكريين، وبالتالي، تحول جناح المخلوع صالح في الحزب إلى مليشيات طائفية، بعضها اندمجت في مليشيات الحوثيين، والبعض الآخر تقاتل تحت لافتة حزب المؤتمر، رغم أنها مليشيات طائفية وقبلية ومناطقية، لا علاقة لها بالحزبية والعمل السياسي.

 

 آثار الانقسام

 

لا شك أن انقسام حزب المؤتمر إلى جناحين سيكون له آثار كبيرة مستقبلًا، بعضها ستعود على الحزب نفسه، وبعضها الآخر ستلقي بظلالها على الحياة السياسية في البلاد برمتها، وسيكون من الصعب محاولة إعادة ترميم الحزب لنفسه في ظل هذه الأوضاع، إلا في حال تم حل الأزمة سياسيًا، وهو أمر مستبعد نظرًا لتعنت الانقلابيين ورفضهم الحلول السياسية، وربما تنجح محاولات الترميم في حال اختفى عن المشهد السياسي أبرز قادة أحد جناحيه، ما يعني اختفاء جناح ليفسح للجناح الآخر الاستحواذ الكامل على الحزب، ففي حال وفاة المخلوع علي صالح، سيختفي جناحه لصالح جناح الرئيس هادي، والعكس صحيح.

 

وسواء استعاد الحزب وحدته في حال تم حل الأزمة سياسيًا، أو ينشق الرئيس هادي وجناحه عن الحزب ويعلنون تشكيل حزبًا آخر خاصًا بهم، أو يسيطر جناح الرئيس هادي على الحزب تمامًا في حال تم الحسم العسكري ضد الانقلاب، فإن الحزب لم يعد في الواقع يمتلك شعبية كبيرة ومؤثرة تؤهله للانفراد بالسلطة تمامًا في ظل الواقع الجديد الذي أفرزته الحرب، كما أن عوامل استمرار الشعبية المزيفة للحزب -كما كان الحال خلال الجولات الانتخابية السابقة- لم تعد متوفرة، مثل الغش والتزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات، واستخدام مقدرات الدولة المختلفة للتأثير على الانتخابات ونتائجها.

 

يبدو واقع الحزب اليوم كالتالي: القيادات البارزة في الحزب انشقت عن المخلوع علي صالح وانضمت لجناح الرئيس هادي في الحزب، وهذا الجناح ليس لديه قاعدة جماهيرية، خاصة في المحافظات الجنوبية، بسبب تزايد مطالب الانفصال، ونظرة الجنوبيين للحزب بأنه "شمالي"، ولا يمثل هويتهم الجغرافية.

 

بينما جناح المخلوع علي صالح في الحزب، فإن شعبيته تنحصر في مناطق قبلية محددة في بعض محافظات شمال الشمال، وهذه الشعبية يحركها التعصب القبلي والمناطقي لمساندة المخلوع، وليس الثقافة السياسية والحزبية الغائبة تمامًا في تلك المناطق، وبتعبير أدق، فجناح المخلوع صالح في الحزب أصبح "مليشيات طائفية ومناطقية" بامتياز، لا فرق بينها وبين مليشيات الحوثيين، وهو ما مكن الحوثيين من اختراق الحزب، ومحاولة استخدامه كواجهة سياسية أحيانًا، مقابل استخدام المخلوع صالح للحوثيين كواجهة عسكرية للانقلاب.

 

 مستقبل غامض

 

يبدو المستقبل السياسي لحزب المؤتمر الشعبي العام محاطًا بالغموض، بسبب العواصف العنيفة التي تعرض لها الحزب منذ العام 2011 وحتى يومنا هذا، والتي تسببت في انقسامه إلى جناحين، أو بالأصح إلى حزبين يحملان نفس الاسم، أحدهما بات على رأس السلطة الشرعية، والآخر تحالف مع الحوثيين ويعد شريكهم الرئيسي في الانقلاب على السلطة الشرعية، والتسبب في الوضع الكارثي الذي تشهده البلاد حاليًا.

 

كما أن الحزب -بجناحيه- أصبح عدوًا للجميع، فجناح المخلوع علي صالح يعد عدوًا لمختلف الأحزاب والتيارات والقوى الوطنية المناهضة للانقلاب، وعلاقته بحلفائه الحوثيين مفخخة بسبب الخلافات بين الطرفين على مغانم السلطة في المحافظات التي يسيطران عليها، والإرث المؤلم لحروب صعدة الست (2004-2010)، وتباين أهدافهما من وراء الانقلاب.

 

وكذلك الأمر بالنسبة لجناح الرئيس هادي في الحزب، فممارساته الإقصائية لحلفائه في الحرب على الانقلاب من السلطة، والتفافه على المبادرة الخليجية التي قضت بأن تكون السلطة مناصفة بين حزب المؤتمر وأحزاب المعارضة سابقًا، كل ذلك من شأنه أن يولد عداوة للحزب مع الجميع، فضلًا عن العدواة بين أبرز قيادات جناحي الحزب، وهو ما يعني أن الحزب ليس عدوًا للجميع فقط، ولكن عدو لنفسه أيضًا.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص