أهم الأخبار

المختطف المحرر من سجون الحوثيين عبدالخالق عمران يستذكر تفاصيل كابوس الثمان سنوات: الصحفي عندهم متهم حتى وإن ثبتت براءته

2024-04-28 الساعة 05:55م

أن يمتد كابوس لثمان سنوات فهو بالتأكيد أبشع كابوس يمكن لشخص أن يمر به على الإطلاق.. إذ كيف يمكن التخلص من آثار كابوس التهم جزءً ثميناً من حياتك وكاد أن يلتهمها بالكامل.

نقف اليوم مع الزميل الصحفي عبدالخالق عمران على مسافة عام من لحظة إسدال الستار على تلك الحقبة السوداء لمجموعة من الصحفيين الشباب الذين وجدوا أنفسهم يدفعون فاتورة عن الصحافة وعن كل الصحفيين في البلد، ليس لأنهم الأكفأ ولا الأكثر حضوراً ولكن فقط لأنهم الأكثر جرأة إذ صمموا على استمرار العمل بالقرب من عرين الوحش الذي أتى ذات يوم على كل المؤسسات الإعلامية فجعلها هشيماً، بما فيها تلك التي قبلت أن تتحول إلى جزء من آلته الدعائية القبيحة.

عن السجن والسجان والأيام السوداء والتفاصيل البسيطة التي كانت أحلام يعز على المكبلين خلف القضبان أن يطولوها، عن لحظات التعذيب وحديث النفس وحوارات عقيمة مع الجلاد نفرد هذه المساحة مع الزميل عبدالخالق الذي خرج مع رفاقه في إبريل من العام الماضي وقفوا شامخين ليقولوا لنا إنهم بخير وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك.
حين تكون صحفياً قوياً وشجاعاً تتدرع بالإصرار على مواصلة الحياة وفاءً بوعد قطعته ذات يوم لمن تحبهم، فإن ذلك لا يتنافى مع كونك إنسان وأب وزوج لديك نقاط ضعفك ولديك لحظات تمر فيها بهشاشة داخلية تنكسر فيها وتتساءل عن ما الذي يدفع إنساناً للتنكيل بإنسان أعزل إلا من إيمانه بقضيته وإصراره على الرفض، وكل ذلك يترك للحظات القاسية أثراً على نفسك وجسدك تحتاج لوقت من الزمن لتتعافى منها.

حاوره: وضاح المنصوري

 

على بعد تسع سنوات من لحظة اختطافك وزملائك من قبل المليشيا الحوثية، ما الذي تبقى في الذاكرة عن تلك اللحظة والأيام التي تلتها؟

أهلاً، بداية ينبغي أن أوضح أن استذكار فترة الاختطاف يسبب لي نوع من الآلام النفسية والصحية.

ثانيا أن إجاباتي هنا لن تكون عن كل التفاصيل المطلوبة في سؤالك، لأن ثمان سنوات من الاختطاف والتعذيب وسوء المعاملة لا يمكن اختزال أحداثها ويومياتها؛ ولو حتى جزء بسيط منها في بضعة أسطر، ربما الأمر يحتاج إلى كتاب وأكثر، فكل يوم وكل أسبوع وكل شهر وكل سنة؛ بما عشناه من أحداث وأهوال وتحقيقات ورعب وبشاعة، يحتاج إلى صفحات وصفحات وساعات لتدوين واستذكار الوقائع التي عشناها في السجون.

لكن دعني أوجز لك لمحة مقتضبة عن ما تستحضره ذاكرتي من أحداث ومشاهد عشتها رفقة زملائي الصحفيين في سبعة سجون، ابتدأت من قسمي الحصبة والأحمر بصنعاء الذي تم اقتيادنا إليه فجر يوم 9 من يونيو 2015، بعد أن اقتحمت عناصر المليشيا الحوثية بقيادة شخص يدعو أبو أكرم واسمه محمد يحيى المتوكل، الشقة التي نقيم فيها بفندق بحر الأحلام في صنعاء، اقتحموها مزودين بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، مثل الكلاشنكوفات وRBG، والقنابل اليدوية بالإضافة إلى صاروخ لو.

حشد من الآليات العسكرية والمدرعة من كل اتجاه وتطلب تعزيزات حسب ما كنا نسمع أصوات المسلحين ونحن مقيدين ومربوطي الأعين ومحاطين وعرضة للاعتداء البدني واللفظي بأقذع الألفاظ ومهددين باستخدامنا كدروع بشرية في المواقع العسكرية المستهدف من قبل طيران التحالف العربي.

لحظة مرعبة لحملة عسكرية تختطفني مع زملائي الثمانية توفيق المنصوري وحارث حميد وأكرم الوليدي وحسن عناب وهشام طرموم وهشام اليوسفي وعصام بلغيث وهيثم الشهاب.

ليس معنا سوى أقلام وأوراق وكمبيوترات محمولة وتلفونات وكاميرات وبطائقنا الشخصية والصحفية، نزلاء في فندق بحثاً عن الكهرباء والإنترنت ولجأنا إليه بعد أن اقتحمت الميليشيات مقر المركز الإعلامي.

تنقلنا بين عدد من أماكن الاحتجاز: البحث الجنائي، احتياطي الثورة، سجن هبرة، الأمن السياسي والقومي وانتهت رحلة الجحيم في سجن عبدالقادر المرتضى، الذي يدير ويفاوض باسم مليشيا الحوثي في ملف المختطفين والأسرى أمام المنظمات الدولية.. وما بين اللحظة الأولى والمحطة الأخيرة عشنا أهوالاً من التعذيب والوحشية والرعب في مسالخ التعذيب.

 

حدثنا عن التعذيب الذي تعرضتم له، وما أقسى لحظة عشتها مع زملائك في السجون طيلة سنوات الاختطاف؟

تعرضت للتعذيب الجسدي والإرهاب النفسي في جميع أماكن الاحتجاز الحوثية سواء بشكل فردي أو برفقة زملائي، منها الضرب بالأيدي والعصي والهراوات الخشبية والمعدنية في أنحاء الجسم وعلى الرأس والمفاصل والعمود الفقري وفي الأماكن الحساسة والضرب بأعقاب البنادق والتعليق بالسلاسل لفترات طويلة في أماكن مرتفعة والصعق بالكهرباء والتعذيب بالماء البارد والحرق بالسيجارة والخنق ولي الأذرع والعنق والأطراف والسحل والإجبار على شرب مياه غير نظيفة والعزل في زنازين، (الضغاطات)، وهي زنازين تم تجهيزها خصيصاً للتعذيب فهي ضيقه جداً، ومظلمة ولا توجد فيها أي تهوية وهي مليئة بالأوساخ والقاذورات والحشرات المختلفة، أيضاً التعذيب بالتجويع والتعطيش والإيهام بالقتل ووضعنا كدروع بشرية في معسكرات معرضة لقصف التحالف وغير ذلك الكثير من أساليب التعذيب الوحشية.

 

التعذيب استمر في كل مراحل الاختطاف، فحتى عندما قررنا أن نعبر عن رفضنا للسجن والسجان وبدأنا إضراباً مفتوحاً عن الطعام، في سجن احتياطي هبرة، الذي استمر تقريباً 40 يوماً منتصف عام 2016، وتسرب خبر الإضراب لوسائل الإعلام وضجت بالأخبار، فواجهتنا مليشيا الحوثي بالتعذيب الجسدي وجلسات التحقيق المطولة، وإخفائنا، رغم أن وضعنا الصحي كان سيء جداً، وكان يغمى على البعض في جلسات التعذيب أكثر من مرة، وكنا على مشارف الموت حقاً.

ومن اللحظات القاسية، تنوعت بلحظات فردية أو جماعية مع زملائي، ومنها على سبيل المثال عندما نتعرض للتعذيب وتتدهور الحالة الصحية لأحدنا ويدخل مرحلة الخطر ويظل يقاوم الموت ولا نجد العلاج أو وسيلة لإنقاذه وكانت الميليشيات تقول لنا دعوه يموت.

وأتذكر من اللحظات القاسية والعصيبة، أنه بعد أيام من اختطافنا وفي سجن وحدة مكافحة الإرهاب التابع للبحث الجنائي، كبلوا أقدامي وعلقوني من يدي إلى شبك حديدي أمام نزلاء الزنازين الأربع، الذين كانوا يسمعون صراخي، ثم تركوني وقتاً طويلاً، كأنما يعذبونني لأموت وليس لأعترف بما لم أفعل، كان التعذيب يتركز على رأسي ووجهي وصدري ومعدتي ومفاصلي وخصيتي ويتم خنقي ووضع المسدس على رأسي، وتعذيبي بالهراوات وأسلاك الحديد، وغمس رأسي في المياه وسحلي على الأرض وركلي، بالإضافة إلى جرِّ شعر رأسي وذقني، ودقه على الجدار، ووضع إصبعيه في عينيَّ، وسكين على رقبتي، وتعذيبي نفسياً، كانت هذه البدايات، وقس عليها عشرات المرات والمرات من التحقيقات وأساليب التعذيب التي لا تختلف عنها في السجون الأخرى.

 

خلال ثمان سنوات من الاختطاف والتعذيب والحرمان قضيتها في الزنازين، هل استطعت معرفة ما الذي يفكر به السجان نحو الضحايا، وما وراء تلذذه بتعذيب الضحايا؟

دعني أقول لكم أولاً إن في سجون مليشيا الحوثي يستطيع أن يعذبك أي واحد فيهم، من مشرف السجن حتى أصغر واحد، كما بإمكان أي مسؤول أن يستدعيك ويقوم بالتحقيق معك وتعذيبك متى شاء وفي أي مكان يريد، حتى ولو كان خارج السجن كما يفعل المدعو عبدالقادر المرتضى في سجنه الذي هو معسكر للتعذيب والإذلال، أو في منزله حيث يقوم باستدعاء مختطفين وأسرى إلى منزله للتحقيق معهم وتعذيبهم، وبالمناسبة هو الذي قال لنا ذات مرة "نحن نتقرب إلى الله بتعذيبكم" عندما اشتكينا له عن استمرار تعذيبنا وحرماننا من أبسط الحقوق ونحن مرضى وتساءلنا عن الأسباب.

من هذا الرد على لسان المدعو المرتضى، مسؤول ملف المختطفين لدى الحوثية كما قلت، نفهم السادية والتعطش لممارسة العنف والتعذيب بين صفوف المليشيا الحوثية أنه بالنسبة لهم عمل مقدس وطقس ديني تعبدي حيث يرون أنفسهم نساكاً في مسالخ التعذيب، وأجهزتها الأمنية التي تم إنشاؤها واستحداثها وبنيت على أساس سلالي عرقي أو تلك التي تم احتلالها عقب الانقلاب، تقوم على العنف الأقسى والأبشع في مهامها المختلفة، ومعيار الأداء الجيد فيها عدد الضحايا والانتهاكات المصبوغة بـ "التقرب إلى الله"، ولهذا يتنافس المشرفون والجلادون والمحققون وكل العاملين في السجون على ممارسة التعذيب.

 

أما بالنسبة لمعرفة ما الذي يفكر به السجان نحو الآخرين، فأعتقد أنه من الصعب معرفة ما يفكر به، هذا أساساً إن كان يفكر، لأن شخصية السجان لا تنفصل عن طبيعة السجن القائم به، والذي سحق فيه ذاته الإنسانية، وجعله مجرد جلاد متعطش لرائحة الدم، أداة للفتك والتعذيب، يحركها سيده الأعلى أنّى شاء وكيفما شاء، ولذلك فالشيء الذي يفكر به السجان ويراه واضحاً في ذهنه تماماً هو المهمة التي كلفه بها مشرفوه الكبار، وهي الهيمنة على المختطف عبر بوابة الألم.

وبالطبع هذه المهمة، التي هي عملية ممارسة التعذيب، تحتاج إلى إلغاء الشعور بالذنب وهو ما يتم من خلال إسباغ المشروعية على التعذيب، بل وجعله كما يقول أحدهم، "عملاً اقتصاصياً يكتسب دلالة الواجب النبيل، من خلال وضعه على رصيد الدفاع عن القضايا الكبرى السامية التي لا يجوز أن تهددها الضحية وأمثالها"، وهنا يتم اختزال الضحية في جملة "أعداء المسيرة القرآنية"، كي يتحول إلى قيمة مضادة، ويصبح فعل التعذيب فعلاً مباحاً واعتيادياً ويومياً ومكرراً.

 

وما وراء تلذذه بتعذيب الضحايا، فهو تفريغ المختطف أو الضحية من فكرته، لكنه لا يفلح في ذلك إلا في حالة واحدة إن قتل الضحية، وحتى في هذه الحالة، يصير الضحية القتيل فكرة، بينما يبلغ الجلاد القاتل ذروة توحشه وانسلاخه عن ذاته الإنسانية. كلما مارس التعذيب أكثر صار بشعاً أكثر، مجرد كتلة من البشاعة، وخالياً بالكامل من الحرية والكرامة والآدمية، عاجزاً عن أن يتغير، لقد أسر نفسه في وضع متصلب ومتوحش لا ينفع بعد ذلك لشيء.

ولا يفوتني هنا أن أذكّر أن ميليشيات الحوثي الإرهابية واضحة في عدائها، حيث كان يقول مشرفوها الثقافيين والأمنيين إن كل من يعارض فكرتهم يدخل تحت حكم الآية القرآنية "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم". وهذا فعلا ما يمارسوه ضد اليمنيين حيث استباحوا كل شيء.

 

برأيك، لماذا حملت وتحمل الحوثية هذا الحقد والعنف تجاه الصحفيين، وما مصدر هذا التعامل الوحشي نحو كل ما له علاقة بالصحافة؟

أولاً على خلفية الدور الكبيرة الذي قام به المركز الإعلامي عقب سقوط العاصمة صنعاء في أيديهم من نقل للحقيقة وكشف انتهاكات المليشيا وجرائمها بحق اليمنيين بحيث كان المركز يدير مجموعة من المواقع والمركز المنصات الإعلامية والحقوقية الفاعلة في تلك الفترة.

ونتذكر جميعاً خطاب زعيم المليشيا عبدالملك الحوثي بعد احتلال العاصمة صنعاء وإسقاط مؤسسات الدولة، الخطاب الذي قال فيه بالحرف إن الصحفيين والإعلاميين والمثقفين أخطر من المقاتلين الذين يواجهونهم بالدبابة والمدفع والبنادق في الميدان، وطبعاً عبدالملك الحوثي هو المثل الأعلى بالنسبة لجلاديه وهم يترجمون أقواله إلى أفعال بكل اهتمام وتفان فهي بالنسبة لهم فتاوى دينية.

وأتذكر عبارة سمعتها على لسان أكثر من محقق أثناء تحقيقهم معي في السجون الحوثية، وهي "الصحفي متهم حتى إن ثبتت براءته"، ومحقق في سجن آخر يقول "حبسكم واعتقالكم إحراج وخروجكم إزعاج، لذلك التخلص منكم هو الحل، فما يسكت الإعلام إلا الإعدام".

وهناك أمر آخر أكثر توضيحاً لفهم هذا التعامل الوحشي نحو الصحافة، وهو أنه أتى إلينا محققون قالوا إنهم من مكتب زعيم المليشيا عبدالملك الحوثي ليحققوا معنا، تقريباً في شهر أغسـطس2017، وقلت لهم "أنا صحفي وأنتم ستندمون على فعلكم هذا معنا"، فكان ردهم: "إذا كان هناك من يستحق الموت فهم أنتم الصحفيون والإعلاميون، والصحف والمواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية مثيرة للفتنة وتحرض الناس ضدنا وتسلبنا التأييد والمناصرة وتضعف قدرتنا على الحشد وتهز ثقة الناس بنا وتشوش أفكار الناس بالروايات المضادة لفكرة المسيرة".

وقالوا إن "حرية الرأي والتعبير مجرد مصطلح غربي مثله مثل مصطلح "حرية التدين"، ونحن لا نؤمن بهما، معنا ملازم حسين الحوثي فيها كل شيء وما علينا سوى السمع والطاعة"، هذا كلامهم لنا في جلسة تحقيق مطولة.

بالتالي من الطبيعي جداً أن تكون الصحافة هي العدو اللدود لهذه المليشيا التي تعتبر الصحفي خطراً يهدد كيانها من خلال نشره للجرائم التي ترتكبها، والقلم سلاح أخطر من الدبابة والسيف، وستبقى في عِداءٍ كبير مع الصحافة والصحفيين.

ومن الطرافة أيضاً أنه في إحدى جلسات التحقيق الكثيرة، كان يسألني المحقق ما معنى موقع إلكتروني؟ فأجيبه لكنه يدعي أني أسخر منه، ولا أدري هل كان يتصنع الغباء لكي يعتدي عليّ، أم أنه فعلاً لا يفرق بين موقع إلكتروني وموقع عسكري، كما كانوا يقول، فإذا ضحكت عذبني، وإذا لزمت الصمت أجبرني بالقوة على الكلام.

 

حدثنا عن تجربة السجن الطويلة، وكيف استطعتم التكيّف مع محيط السجون الموحشة؟

صدقني أنه ليس من السهل سرد ما جرى خلال 8 سنوات، حتى لو كان ذلك لصحفي يفترض أن لا يترك شاردة ولا واردة دون تدوينها في عقله وقلبه وقلمه، ذلك شبه مستحيل ما لم أقبض على جمرة الألم كي أجبر نفسي على الخوض في بعض التفاصيل التي تعذبني وأنا استذكر التفاصيل.

لا يمكن مقارنة عذابات السجن بألم الحديث عنه، ساعات وأيام السجن متزاحمةٌ، بقلق انتظار التعذيب والاضطهاد والخوف من آلامه التي يعجز الخيال عن الإحاطة بها، إضافة إلى ساعات القهر التي يعانيها المختطف وهو يسمع صرخات التعذيب التي تنفجر من حناجر من يسبقونه في نيل حصة التعذيب اليومي، كما كان يجري في جميع السجون والزنازين التي نقلونا إليها.

والثابت في حياة السجون أن الوقت داخل السجن يمر ثقيلاً، فالإنعزال عن العالم الخارجي، عن الحياة خارج أسوار السجن، عن الأصدقاء والزملاء والأهل، والمكوث داخل هذا الفضاء المغلق، يُساهم في ثقل الزمن وتوقف التفكير، الزمن في السجن ليس هو الزمن الذي اعتدناه خارجه، لأنه يمضي ثقيلاً كالكابوس، وهو لا يُحسب بالدقائق والثواني واللحظات.

سجون المليشيا الحوثية ليست كالسجون التي تحظى بأدنى معايير الحقوق الإنسانية والآدمية، نحن في عالم مختلف، لا أوضاعها صالحة للعيش الآدمي ولا يومياتها تصلح للسرد، ولا أسبابها تتوافق مع أي نظام أو عرف أو عقوبة.

لا مبرر للبقاء لا أفق للرحيل في سجون الحوثي ووفق هذه القاعدة أنت تواجه عدوا بلا أخلاق وما عليك إلا أن تواجه قدرك بكل رجولة وشموخ بصمود وتحدي. وهو الطريق الذي حافظ على أرواحنا ولم يمكّن عدونا من سحقها رغم أن ثمن مواجهة الجلاد كان باهظاً جداً دفعناه من أرواحنا ودمائنا.

 

هل كنت تعرف بالأخبار والتطورات والمستجدات الميدانية التي تحدث خارج السجن؟

يفتقد المختطفون في سجون مليشيا الحوثي فكرة مزامنة الأحداث والمناسبات والتطورات وغيرها، والأخبار السعيدة منها والحزينة أيضاً، لا توجد أي وسيلة للأخبار أو المعلومات، حتى في الزيارات ممنوع عليك أن تتكلم بشيء سوى السلام على أسرتك وأخذ الفلوس والملابس، فضلاً عن الحالة الأكثر تطرفاً بمنع الزيارات التي تصل في بعض السجون إلى شهور طويلة.

والصحفيون بالذات، كنا معزولين تماماً عن كل ما هو خارج السجن، وبقينا تحت الإخفاء القسري قرابة نصف فترة الاختطاف على مُدد متفرقة، وفي أحسن الحالات كنا نتلقى المعلومات من القناة التابعة للميلشيات الحوثية قناة المسيرة، زج بنا أمام سماعة مكبرة للصوت وشاشة تلفزيونية لا تبث إلا قناة المسيرة التي تعتبر الأداة الرئيسية للجماعة للحشد والتعبئة بهدف تغيير الهوية والقناعات وتقدم مضمون مكرر وممل كنا نعتبر إجبارنا علي التعرض له جزءً من وسائل التعذيب النفسي.

من المواقف المضحكة أنه في مونديال كأس العام 2022، في سجن عبدالقادر المرتضى عندما فاز المنتخب الأمريكي على المنتخب الإيراني كان النزلاء يشجعون المنتخب الأمريكي فعاقبهم المرتضى بقطع المياه عن دورات المياه في السجن عقاباً لهم.

 

ما أكثر لحظة مؤثرة لك في السجن؟

في الحقيقة أن لحظات السجن كلها مؤثرة جداً، فأنت بين جدران مشيدة بعناية لتقييد حريتك والإمعان في اضطهادك وهز شموخك وكبريائك الإنساني، لتخضع وتقبل بما يراد منك.

وهناك مشاهد كثيرة ما زالت محفورة في الأعماق، فمثلاً أذكر هنا حادثة الاعتداء علينا أمام أهالينا في شهر يناير 2016، وهي حادثة تكررت كثيراً وكانت الأصعب علينا من أي شيء آخر، في هذه الزيارة جاء "الحارث عبدالكريم" ابن أخي، لزيارتي وكان من خلف الشباك وخلال محاولته مصافحتي اعتدى عليه اثنان من السجانين بالضرب، وحاولت الدفاع عنه فاعتدوا علينا نحن الاثنين وسحبوه بالقوة من أمامي وأعادوني إلى الزنزانة بالضرب والشتم وتكرر الأمر أمام والدتي أثناء زيارة نادرة لها وبصحبتها طفلي أحمد ومريم، بعدها يبدو أن الحارث رغم صغر سنه اقتنع أنه لا يمكن للإنسان أن يعيش بكرامة إلا إذا زالت سيطرة هذه الجماعة فالتحق بالجبهات وبعدها تعرض للأسر، ليكون خبر استشهاده يوم 12 ديسمبر 2016، في قصف تعرض له أسرى ومختطفون لدى مليشيا الحوثي في سجن الشرطة العسكرية بصنعاء.

وكانت اللحظات الأكثر وجعاً وحزناً وتأثيراً هي يوم رحيل والدي، أسال الله أن يرحمه ويغفر له، في 30 ديسمبر 2021، بعد معاناة شديدة وصابرة مع المرض، ومحاولته زيارتي بكل الطرق، ولكن لم يُسمح له بزيارتي ولو لمرة واحدة منذ اختطافي وهُدد بالاختطاف إن زارني، وعند وفاته كنت في فترة إخفاء قسري.

 

متى أول مرة رأيت فيها أطفالك وأسرتك؟ صف لنا تلك اللحظة؟

الزيارات أيضاً حولوها إلى أسلوب من أساليب التعذيب، وربما من أبشع أساليب التعذيب النفسي التي عشتها أنا وعائلتي، وكانت تتفنن مليشيا الحوثي في إيذائنا بها، سواءً لنا داخل السجون أو لعوائلنا خارج السجون أو لنا وللعوائل أثناء الزيارات، فبالرغم أنه كان يُمنع عني الزيارات لفترة طويلة، ولم يُسمح بزيارتي إلا بعد مرور 100 يوم تقريباً، وكانت أول زيارة في سجن احتياطي الثورة، ولمدة دقائق حرفياً، لم تتجاوز العشر الدقائق، وتتم من خلف حاجزين حديديين تفصل بينهما مسافة، وكنت لا أسمع كلام عائلتي خلال الزيارة نتيجة الزحمة والضجيج، ويقف أحد السجانين إلى جواري مع كل زيارة.

بالإضافة إلى الاعتداءات علينا في الزيارات كما قلت لك، وأيضاً سوء المعاملة مع أطفالي وتخويفهم وإرعابهم في الزيارات، مثلاً في إحدى المرات جاء ولدي أحمد يزورني وهو لم يتجاوز السابعة من عمره، وكان لابس ثوب وجنبية، فرفض مشرف سجن الأمن السياسي المدعو يحيى سريع السماح له بالدخول إلا بعد أن أخذ جنبيته وتخويفه بالكلام، وفي إحدى المرات تم الاعتداء عليَّ أمام طفلتي مريم.

وبالمناسبة هذه المعاملة السيئة مع أطفالي وعائلتي لم تقتصر على وجودهم أثناء الزيارات للسجون فقط، ولكنها امتدت لهم حتى وهم في القرية، ذات مرة طُلب من والدي الشيخ أحمد عبده عمران، أن يأتي بابني أحمد إلى مركز المديرية في وصاب إليهم للضغط على والدي وعقاباً لي.

وهكذا كانت التهديدات لا تتوقف لأطفالي وعائلتي في الزيارات أو غيرها، كانوا يهددوني بأنهم سيأتون بأطفالي ووالدي ووالدتي وإخواني ويسجنوهم ويعذبونهم، وهي محاولة للنيل من عزيمتي عبر الاستمرار في استهدافي وعائلتي.

 

ما الشيء الذي كان دائم الإلحاح على فكرك، سواءٌ في الجانب المهني الصحفي أو غيره من جوانب الحياة؟

هي فكرة الحرية، فكرة الخروج من هذا الجحيم أولاً، ثم ما الذي أدى باليمن إلى هذا الحال؟ ومن السبب في انتكاسة المشروع الوطني، ومن الذي سبب هذه الكبوات له، ما الذي أوصلنا إلى هذا الحال العودة إلى الماضي من بوابة العبور إلى المستقبل. نفكر بنجاحات وإخفاقات المشروع الوطني وإلى أين يمضي.

أيضاً نفكر بمستقبل الصحافة أمام هذه العنجهية والبربرية، ولماذا يظل الصحفي هو الحلقة الأضعف، جبال من الأفكار التي كانت تهاجم رأسي وتعصف بي لمواجهة الواقع المزري والموحش والمرعب، لأن في هذه الحالة الظلامية، يصبح البقاء على قيد الحياة وتشغيل دماغك وتحريكه هاجسك الدائم فعل مقاوم.

أفكر في والدي ووالدتي الذي أقعدها اختطافي، ولا يغيب عني التفكير في أولادي وزوجتي.

 

كيف تعاملتم مع المحاكمات التي كنتم تستدعون إليها؟ وكيف تلقيت نبأ أحكام الإعدام؟

المحاكمة جزء من مسار التعذيب لنا ولأهالينا وفي الحقيقة هي ليست أحكاماً وإنما هي فتاوى وأوامر بالقتل صدرت من جماعة إرهابية ترى الصحفي عدوها الأول ولا نجاح لمشروعها إلا بالتخلص منه.

وهنا بالطبع لا أنسى لحظة النطق بأوامر الإعدام ضدي وضد زملائي الثلاثة توفيق المنصوري وحارث حميد وأكرم الوليدي، بعد محاكمات باطلة وإجراءات حوثية شكلية لا تمس للعدالة بصلة والتي كانت استهداف لحرية الرأي والكلمة، وبالقدر التي شكلت لنا صدمة نفسية كبيرة وتساءلنا كيف لهؤلاء البشر في هذا القرن وفي هذه الألفية أن يصدروا ما يسمونها أحكاماً بإعدام صحفيين على خلفية عملهم الصحفي والمهني، حينها أدركنا إن هذه الميلشيات تريد أن تجعلنا عبرة لبقية زملائنا الصحفيين الأحرار في محاولة بائسة لتكميم الأفواه.

ولا أخفيك أننا حالياً لا زلنا نبحث عن حماية من جماعة الحوثيين التي أصدرت ضدنا أوامر بالقتل، فالمتتبع لسلوكها الإجرامي يدرك مدى خطورة فتواها وأوامرها بقتل الصحفيين تحت مسمى أحكام الإعدام على الصحفيين الأربعة وعلى الوسط الإعلامي والصحفي بشكل عام.

 

كيف تمكنت من الصمود والحفاظ على روحك ومعنوياتك المرتفعة وتماسكك خلال فترة اختطافك؟

محطة الاختطاف في سجون مليشيا الحوثي تعني الدخول إلى عالم شديد القسوة والألم والعجز، لكنه عالم يحمل بين طياته كثيراً من معاني الصمود والصبر والتضحية والقناعة بضرورة مواجهة السجن والسجان نفسياً وجسدياً، وفي الحقيقة أن حياة المختطفين في سجون المليشيا الحوثية حافلة بضروب الصمود والكرامة كلها؛ فالمختطف يدخل السجون الحوثية بطلاً، ويخرج منها بطلاً، لأنه يحمل قضية وهدفاً، وله وطن يدافع عنه وشعب يشد من عزمه، ويدرك أن ثمن موقفه هذا ليس بسيطاً ولن يكون سهلاً أمام آلة القتل والإرهاب الحوثية السلالية، سواءً كان "صحفي أو مهندس أو طبيب أو تربوي أو أكاديمي أو طالب أو عسكري)، الجميع تحركه قضيته لتحمل المآسي في السجون.

 

كيف تلقيتم خبر الإفراج عنكم؟ وما أول شيء كنت بانتظاره لحظة إطلاق سراحك؟

أنا وزملائي الثلاثة كنا في فترة إخفاء قسري، ولم يكن عندنا أي علم بتحركات الصفقة، ووصل لنا الخبر قبل أيام من إتمامها من مندوبي الصليب الأحمر الذين جاؤوا ليسلمونا الملابس وعندما سألناهم متى يوم الخروج، منعهم السجان أبو الكرار وليد السنحاني من إبلاغنا، واستمر التضييق علينا وفي ليلة الإفراج جاء أبو أسامة الجنيد مساعد مشرف السجن وتهجم علينا ووجه سباب وشتائم وهدد بقتلنا ووجه السجان أبو كهلان بمصادرة كل ما في الزنزانة ما عدا ملابس الخروج وقضينا ساعات في برد الزنزانة.

ولم نشعر ببعض الطمأنينة إلا عندما وصلنا مطار صنعاء، وكنا في الرحلة الأولى للطيران لكن تعسفات المجرم عبدالقادر المرتضى، استمرت حتى اللحظات الأخيرة، حيث اعترض ورفض أن نصعد إلى الطائرة الأولى وآجل إقلاعنا إلى الرحلة الثانية، تم المناداة بأسمائنا وصعدنا الطائرة عصر يوم الأحد 16 من أبريل 2023، وكانت تلك اللحظة هي الفصل الجديد في حياتي وحياة زملائي وعائلاتنا التي عانت أكثر منا.

 

ما العمر الذي سلبته سجون المليشيا الحوثية منكم، وما الذي فاتك أثناء بقائك مغيب خلف القضبان؟

السجن ليس حدثاً عابراً في حياة أغلب اليمنيين، فنسبة كبيرة منهم عاش هذه التجربة منذ انقلاب المليشيا الحوثية الإرهابية في 2014، ومن لم يعشها بجسده عاشها عبر أحد أفراد عائلته، أو عبر قريب حميم له، ومنذ الانقلاب حتى اليوم، لا يزال السجن حاضراً في حياة اليمنيين كالخبز.

ليس قول ما نهبه السجن والسجان من أعمارنا أو الكتابة عنه ممكناً دائماً، وعلى الرغم من أنه ما من شخص خاض غمار هذه التجربة المرّة إلا ويختزن في روحه وذاكرته ما يكفي لكتابة ملحمة عن الألم الإنساني الهائل الذي عاشه في أمكنة هي الأبشع في تاريخ السجون، لكن هذه الحقبة بالذات من حياتنا يجب أن يقال عنها الكثير والكثير.

سجون مليشيا الموت والظلام الحوثية سلبتنا الحرية بكل أشكالها ومعانيها ومتطلباتها، نهبتنا سنيناً من أعمارنا وأعمار أطفالنا الذين سلبتهم هم بدورهم وجودنا إلى جانبهم في أهم مراحل حياتهم العمرية، هناك أشياء لا يستطيع أحد أن يعوض وجودك لأبنائك ويعطيها لهم إلا أنت، وهي سلبتهم هذا الشيء منا، وسلبتنا أن نعطيه لهم.

وفاتني الكثير والعظيم من حياتي، أهم وأعظم ما فاتني هو لحظات الوداع الأخيرة لوالدي رحمة الله عليه، هذه لحظات لا تعوض ولا تعود ولا يُقدر على وصف وقع حزنها وقهرها ووجعها في النفس والروح.

ونسأل الله أن يكتب لنا الأجر لأن لا شيء يمكن أن يعوض ما سرقته المليشيا الحوثية من أعمارنا.

 

كيف تنظر لوضع الصحافة والصحفيين حالياً، مقارنة بالوضع قبل اختطافك؟

وضع الحريات الصحفية منذ الانقلاب الحوثي من سيء إلى أسوا، لا يزال مؤشر الانتهاكات في تصاعد مستمر والتعامل مع الصحفي لا يزال عدائياً. ولا يزال الصحفيون بين قتيل وسجين ومنفي وتحت الإقامة الجبرية والضغط التهديد، وأيضاً للأسف هناك من ينظر للصحفيين كتابعين كأدوات وهذا لم يعد صحيحاً فقد غدت الصحافة السلطة الأولى، والصحفيون ثابت وشريك وليس متغير وتابع وهذا مالم يدركه ولم يقتنع به جميع من بيدهم القرار.

 

ماذا عن وضعكم الصحي وهل من دور للحكومة في علاجكم؟

الصحفيون المختطفون حصالة أمراض، يعانون من أمراض في القلب والكبد والسكري والضغط والهبوط وانزلاق في العمود الفقري والتهابات المفاصل والعيون الأذنين الجيوب الأنفية والدم والآلام في المعدة والكلى وغيرها من الأمراض الأخرى، ونحن الآن نخضع للعلاج.

 

ما الذي أضفتموه من أدلة للمنظمات الحقوقية المحلية والدولية حول الانتهاكات والجرائم التي تعرضتم لها ورأيتموها في السجون الحوثية؟

فضح جرائم وانتهاكات مليشيات الحوثي بحق المختطفين والأسرى يحتاج إلى عمل تكاملي بين كل الجهات الرسمية وغير الرسمية، حجم العمل ليس بالمستوى المطلوب لا من حيث توثيق الجرائم ولا من حيث السير في المراحل السابقة لمحاكمة المجرمين المتورطين.. هناك حلقات مفقودة.

نحن نعتقد أننا قمنا بواجبنا في هذا الجانب وأثمر بنتائج ايجابية وسنواصل دورنا حتى تقديم المتورطين في تعذيب الصحفيين وجميع الأسرى والمختطفين وعلى رأسهم عبدالملك الحوثي وعبدالقادر المرتضى.

 

مر عام منذ تحريركم من سجون الحوثية، ما الذي قمتم به خلال العام؟

فضح جرائم مليشيا الحوثيين بحق المختطفين والأسرى وتوثيقها لتقديمها للقضاء المحلي والدولي، وعلى المستوى الشخصي نخضع حالياً للعلاج، وهنا من تزوج الزملاء ممن لم يكن قد تزوج مسبقاً.
 ......

عبدالخالق أحمد عمران

مواليد: 1984 - محافظة ذمار مديرية وصاب الأسفل عزلة بني عياش

متزوج وأب لولدين أحمد ومريم

بكالوريوس إعلام 2006

عضو نقابة الصحفيين اليمنيين منذ العام 2008

أبرز الأعمال والمهام الصحفية:

_ رئيس المركز الإعلامي للثورة

_ رئيس تحرير موقع الإصلاح أونلاين

_ رئيس تحرير صحيفة الربيع الإلكترونية

_ مؤسس موقع صوت المقاومة

_ مؤسس ورئيس مركز صنعاء الحقوقي

(طبعاً جميعها صودرت محتوياتها وتوقف جميعها في فترة من الاختطاف)

_ سكرتير تحرير لصحيفة العاصمة الأسبوعية

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص